عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

466

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وقد سُئل - أبو علي الرُّوذباري - وهو من أكابر مشايخ الصوفية وأهل العِلْم منهم - عمن يسمع الملاهي ويقول : هي لي حلالٌ ؛ لأني وصلت إِلَى درجة لا يُؤثر فيَّ اختلاف الأحوال ، فَقَالَ : نعم ، قد وصل لعمري ، ولكن إِلَى السفر . وسُئل أيضًا عن السماع فَقَالَ : ليتنا خلصنا منه رأسًا برأس . قال القاضي أبو الطيب الطبري رحمه الله : قال بعضهم : إنا لا نسمع الغناء بالطبع الَّذِي يشترك فيه الخاص والعام . قال : والجواب أن هذا تجاهلٌ منه عظيمٌ ؛ لأمرين : أحدهما : أنه يلزمه عَلَى قوله ، أن يستبيح سماع العُود ، والطنبور وسائر الملاهي ، ويسمع ذلك كله بالطبع الَّذِي لا يشاركه فيه أحد ، فإن لم يستبح ذلك فقد نقض قوله ، من حيث ادعى أن بعض الملاهي يؤثر وبعضها لا يؤثر في هذا الطبع الَّذِي قد اختص به ، وإن استباحهُ فقد فسق . والثاني : أن هذا المدعي لا يخلو أن يدعي أنه فارق طبع البشر ، وصار مطبوعًا عَلَى العقل والبصيرة ، بمنزلة الملائكة . فإن قال ذلك فقد تخرّص عَلَى طبعه ، وكذب عَلَى الله في تركيبه ، وادعى بذلك العصمة مع مقارنة الفتنة ، ووجب أن لا يكون مجاهدًا لنفسه ، ولا مجانبًا لهواه وطبعه ، ولا يكون له ثواب عَلَى ترك اللذات والشهوات ، وهذا لا يقوله عاقل . وإن قال : أنا عَلَى طبع البشر المجبول عَلَى محبة الهوى والشهوة . قلنا له : فكيف يصح أن تسمع الغناء المطرب بغير طبعك ، أو تطربُ بسماعه بغير ما في جبلتك ، إِلَى غير ما غُرز في نفسك ؟ ! وذكر بقية الكلام ، وقال في آخره : وبلغني أن هذه الطائفة تُضيف إِلَى السماع النظر في وجه الأمرد ، ورُبما زينته بالحُلي والمُصبغات من الثياب ، وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار ، والاستدلال بالصنعة عَلَى الصانع ! وهذه النهاية في متابعة الهوى ، ومخادعة العقل ومخالفة العِلْم . ثم أطال الكلام في الرد عليهم ثم